مقالات وأدلة إسلامية
عبادة

كيف تعرف اتجاه القبلة؟ البوصلة والشمس والأحكام

آخر تحديث:

The mihrab of the Jameh Mosque in Kerman, the niche that marks the qibla
Mihrab, Jameh Mosque of Kerman · Bernard Gagnon · CC BY-SA 4.0

تبدأ كل صلاة بجهة. فقبل الكلام وقبل القيام يتوجه المسلم إلى الكعبة في مكة — ويعني ذلك عند أكثر مسلمي الأرض أن يتحرى أين تقع تلك الجهة من موضعه. يعالج هذا المقال كيفية معرفة اتجاه القبلة: ما يوجبه القرآن والسنة، والطرق العملية الأربع، ولماذا تخالف بوصلة الهاتف كثيرًا اتجاه المسجد القريب، وما يقوله العلماء إذا أخطأت الجهة.

ما القبلة وما الذي توجبه النصوص

القبلة جهة الكعبة، البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بمكة. واستقبالها شرط لصحة الصلاة، ثابت بأمر صريح:

"فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره." (البقرة 2:144)

نزلت الآية بعد مدة كان المسلمون يصلون فيها إلى بيت المقدس. وفي هذا التحويل نفسه فائدة: فالجهة ليست مقدسة لذاتها، وإنما تُستقبل امتثالًا للأمر. وقد كرر السياق الأمر مرتين أخريين (2:149-150) — تكرارٌ قرأه المفسرون تأكيدًا على لزومه حيثما كان المسلم.

ويحدّ هذا الوجوبَ نصان آخران.

الأول هو الرحمة التي تحكم المسألة كلها:

"ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله." (البقرة 2:115)

والثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ

"ما بين المشرق والمغرب قبلة."

رواه الترمذي 342 وقال: حسن صحيح، وابن ماجه 1011. وبيّن العلماء أن هذا في حق البعيد عن مكة، فالكعبة في حقه قوسٌ واسع لا نقطة دقيقة؛ فلا يُطلب من أهل إندونيسيا أو المغرب ضبطُ الدرجة، بل استقبال الجهة بحسب الوسع.

فتجتمع النصوص على القاعدة العملية: استقبل الكعبة بحسب استطاعتك، وصلاتك صحيحة. والطرق الآتية إنما هي لإحسان ذلك، لا لتكليفٍ بالدقة لم توجبه النصوص.


إلى أين تشير القبلة حقيقةً

هنا يخطئ حدس أكثر الناس، ويحسن فهمه قبل استعمال أي أداة.

القبلة هي أقصر طريق على سطح الأرض — ما يسميه الملاحون الدائرة العظمى. والأرض كرة، وأقصر مسافة بين نقطتين على الكرة ليست الخط المستقيم الذي ترسمه على خريطة مسطحة.

والنتيجة مدهشة عند أول مرة. فمن نيويورك تقع القبلة نحو الشمال الشرقي لا الجنوب الشرقي الذي توحي به الخريطة المسطحة. ومن لندن إلى جنوب الشرق-الجنوب الشرقي قليلًا. ومن جاكرتا إلى الغرب-الشمال الغربي. ومن كيب تاون إلى الشمال تقريبًا.

الخرائط المسطحة تشوّه الاتجاه، ويشتد التشويه كلما بعُدت عن خط الاستواء. وطريق الدائرة العظمى من أمريكا الشمالية إلى مكة يمر قرب جرينلاند. وليس هذا شذوذًا في الحساب، بل هو أقصر الطرق فعلًا، وهو ما تحسبه كل أداة قبلة.

ومحدد القبلة يجري هذا الحساب من موقع جهازك ويعرض الزاوية مباشرة.


الطريقة الأولى: بوصلة أو تطبيق قبلة

أسرع الطرق وأكثرها استعمالًا. تحسب الأداة زاوية الدائرة العظمى من إحداثياتك وتدلك على جهة التوجه.

وهي كذلك أكثر الطرق خطأً، لأسباب لا علاقة لها بالحساب أصلًا.

الشمال المغناطيسي ليس الشمال الحقيقي

البوصلة المغناطيسية — ومنها مستشعر الهاتف — تشير إلى القطب المغناطيسي، لا الجغرافي. والزاوية بينهما تسمى الميل المغناطيسي، وتتفاوت بحسب الموضع من قريب من الصفر إلى أكثر من عشرين درجة، وتنزاح مع السنين لتحرك القطب المغناطيسي.

وزوايا القبلة تُحسب من الشمال الحقيقي. فقراءة البوصلة الخام لا بد أن تُصحح بالميل المحلي قبل أن يكون لها معنى. والتطبيقات الجيدة تفعل ذلك تلقائيًا، أما البوصلة المجردة مع زاوية مطبوعة فلا.

المعادن والمعايرة

مستشعرات الهواتف رخيصة وسريعة الانحراف. وأشهر أسبابه:

  • المكاتب المعدنية وأسرّة الحديد والمشعّات وخزائن الملفات
  • الحواسيب المحمولة ومكبرات الصوت وكل ما فيه محرك
  • هياكل السيارات — والقراءة داخل السيارة تكاد لا تساوي شيئًا
  • أغطية الهواتف ذات المشابك المغناطيسية وحوامل السيارة المغناطيسية
  • الأرضيات والجدران الخرسانية المسلحة

والعلاج أن تبتعد عن المعادن وترسم بالهاتف رقم ثمانية في الهواء، فبذلك يعيد النظام معايرة المستشعر. وإن كانت القراءة تتأرجح وأنت واقف ساكن فهي لم تستقر ولا يُوثق بها.

إذا اختلف التطبيق والمسجد

فالثقة بالمسجد. فاتجاهه قيس مرة بأدوات أدق من أدوات الهاتف، والبناء لا ينحرف. والفرق اليسير بضع درجات داخلٌ أصلًا في السعة التي أفادها حديث "ما بين المشرق والمغرب"؛ أما الفرق الكبير فمعناه أن هاتفك مخطئ.


الطريقة الثانية: استواء الشمس فوق الكعبة

مرتين في السنة تمر الشمس فوق الكعبة تمامًا — ويسمى ذلك الاستواء — وفي تلك الدقائق تُعرف القبلة في كل موضع ترى فيه الشمس، بلا آلة البتة.

والموعدان تقريبًا:

  • 27–28 مايو، نحو الساعة 12:18 بتوقيت مكة
  • 15–16 يوليو، نحو الساعة 12:27 بتوقيت مكة

في تلك اللحظة أقم أي شيء قائم في الشمس — عمودًا أو قلمًا أو حرف جدار — فيكون ظله مشيرًا إلى عكس مكة تمامًا. فتوجه على امتداد الظل نحو الشاخص تكن مستقبلًا للقبلة. يصح ذلك في كل الجهة المضيئة من الأرض، وهو دقيق، لأنك تتخذ الكعبة نفسها مرجعًا لا نموذجًا عنها.

ويقع نظيره معكوسًا مرتين أيضًا — نحو 28 نوفمبر و16 يناير، حين تكون الشمس في مقابل الكعبة تمامًا — فيشير الظل حينئذ إلى مكة.

والمساجد والمراكز الإسلامية تراجع محاريبها بهذين الموعدين. ويحسن أن تخط في بيتك خطًا على الأرض مرة واحدة في أحد هذين اليومين، فلا تحتاج بعدها إلى بوصلة.


الطريقة الثالثة: الشمس والنجوم عمومًا

خارج هذين الموعدين تبقى الشمس معينة على وجه التقريب. فهي تطلع من المشرق وتغرب في المغرب — لكن لا على التحديد إلا في الاعتدالين، والخطأ كبير في خطوط العرض العالية. وفي نصف الكرة الشمالي تكون الشمس في جهة الجنوب تمامًا عند الزوال الشمسي المحلي، وفي النصف الجنوبي في جهة الشمال. والزوال الشمسي المحلي ليس ظهر الساعة: فهو يتغير بخط الطول داخل المنطقة الزمنية وبالتوقيت الصيفي.

وفي الليل يدل نجم القطب في نصف الكرة الشمالي على الشمال الحقيقي في حدود درجة — ولأنه يدل على الشمال الحقيقي فلا يحتاج تصحيح الميل. ويقوم الصليب الجنوبي بالدور نفسه في النصف الجنوبي بدقة أقل.

فهذه تعطيك إطارًا مرجعيًا؛ وإذا ضُمّت إلى زاوية القبلة المعروفة لمدينتك كفت لاستقبال القبلة بلا جهاز.


الطريقة الرابعة: مسجد قريب

أبسط الطرق كلها وأوثقها. اعرف اتجاه محراب أقرب مسجد واتبعه. فالمساجد تُقاس عند بنائها، والمحراب القائم منذ عقود يكون قد روجع غالبًا أكثر من مرة.

وإن لم يوجد مسجد فمصلى المطار أو المستشفى أو المركز التجاري يقوم مقامه، غير أن هذه يحسن التثبت منها بتطبيق، إذ تُنفَّذ أحيانًا باجتهاد المقاول لا بقياس.


الصلاة في السيارة والطائرة والقطار

وجوب استقبال القبلة ثابت في الفريضة، والسفر لا يرفعه — لكنه يخففه.

ففي الفريضة يقول العلماء إن على المسافر أن يستقبل القبلة ويصلي على وجهها ما أمكن: ففي الطائرة قد يكون ذلك بالصلاة في الممر أو في فسحة خالية؛ وفي القطار أو الحافلة باستقبال الجهة بحسب ما تتيحه المركبة والدوران معها إن تيسر. فإذا تعذر حقًا — كابينة مزدحمة، أو سيارة سائرة لا مكان آمنًا لوقوفها — فمذهب الجمهور أن يصلي إلى الجهة الممكنة ولا يترك الصلاة، أخذًا بالأصل العام أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها (البقرة 2:286).

وأما النافلة فالرخصة فيها صريحة وأوسع كثيرًا. فقد كان النبي ﷺ يصلي النافلة على راحلته حيثما توجهت به (البخاري 1096، مسلم 700).

والتوجيه العملي في الرحلة الجوية: تحقق من القبلة قبل الصعود بمدينتي الإقلاع والوصول، وتابع اتجاه المسار على شاشة المقعد أثناء الطيران، فإن تعذر ثبات الجهة فصلِّ بحسب استطاعتك. وكثير من خرائط الطيران تعرض القبلة مباشرة.

ولمسائل حالك الخاصة اسأل عالمًا مؤهلًا؛ فأحكام صلاة السفر فيها تفصيل لا يستوعبه هذا الإجمال.


فإن صليت إلى غير القبلة؟

هذا أكثر ما يقلق الناس، والجواب أرحم مما يُظن.

إن اجتهدت في تحري الجهة اجتهادًا صادقًا ثم تبين خطؤك، فالصلاة صحيحة ولا إعادة عليك. واستنبط العلماء ذلك من أن الوجوب متعلق بالاجتهاد — أي بالتحري — لا بنفس الأمر في حق من لا سبيل له إلى اليقين. وهذا مذهب الجمهور.

وإن لم تتحرَّ أصلًا، فظننت ظنًا أو استقبلت أي جهة بلا بحث، فأكثر العلماء على وجوب الإعادة، لأن الشرط متعلق بالاجتهاد ولم يقع.

وإن تبين لك في أثناء الصلاة فإنك تستدير إلى الجهة الصحيحة وتبني ولا تستأنف. ثبت ذلك بحديث أهل قباء، إذ بلغهم وهم في الصلاة أن القبلة حُولت إلى الكعبة فاستداروا وهم في صلاتهم (البخاري 403، مسلم 526).

وإن تعذر تحديد الجهة بالكلية — غيم مطبق، ولا جهاز، ولا مسجد، ولا من يُسأل — فاستقبل ما يغلب على ظنك وصلِّ. وآية البقرة 2:115 في هذا الباب بعينه.


الأسئلة الشائعة

كيف أعرف القبلة بلا بوصلة ولا إنترنت؟

بالشمس. ففي 27–28 مايو و15–16 يوليو تمر الشمس فوق الكعبة تمامًا فيشير كل ظل إلى عكس مكة. وخارج هذين الموعدين فأوثق مرجع مسجد قريب؛ فإن لم يوجد فاستخرج الشمال الحقيقي من الشمس عند الزوال المحلي أو من نجم القطب ليلًا، ثم انحرف إلى زاوية القبلة المعروفة لمدينتك.

لماذا تخالف بوصلة هاتفي اتجاه المسجد؟

الغالب أن مستشعر الهاتف مضطرب أو غير معاير. فالأثاث المعدني وهياكل السيارات ومكبرات الصوت والأغطية المغناطيسية كلها تجذبه. ابتعد عن المعادن، وارسم بالهاتف رقم ثمانية لإعادة المعايرة، ثم أعد المحاولة. فإن بقي الخلاف كبيرًا فاتبع المسجد، فاتجاهه قيس بأدوات لا يحملها الهاتف.

أالقبلة أقصر طريق أم الاتجاه على الخريطة؟

أقصر طريق على الكرة، أي الدائرة العظمى. ولهذا تقع القبلة من أمريكا الشمالية في الشمال الشرقي لا الجنوب الشرقي الذي توحي به الخريطة المسطحة. فالخرائط المسطحة تزيد تشويه الاتجاه كلما بعُدت عن خط الاستواء؛ والزاوية صحيحة والخريطة هي المضللة.

ما مقدار الدقة المطلوبة في القبلة؟

في حق البعيد عن مكة لا تُطلب الدقة إلى الدرجة. قال النبي ﷺ: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" (الترمذي 342، حسن صحيح)، وحمله العلماء على البعيد الذي تقع الكعبة في حقه على قوس واسع. وأما في مكة وما حولها فتُطلب الدقة لأنها ممكنة.

هل أعيد صلاة صليتها إلى غير القبلة؟

إن كنت قد اجتهدت في التحري ثم تبين الخطأ فجمهور العلماء على صحتها وعدم الإعادة. وإن لم تتحرَّ أصلًا فتجب الإعادة. وإن تبين لك أثناء الصلاة فاستدر وابنِ ولا تستأنف، كما فعل أهل قباء.

ما الميل المغناطيسي وهل يؤثر في القبلة؟

هو الزاوية بين الشمال المغناطيسي الذي تشير إليه البوصلة والشمال الحقيقي الذي تُحسب منه زوايا القبلة. ويتفاوت بحسب الموضع من قريب من الصفر إلى أكثر من عشرين درجة، وينزاح ببطء مع السنين. فلا بد من تصحيح القراءة الخام به؛ وتطبيقات القبلة تطبق التصحيح تلقائيًا عادةً، وهذا من أسباب اختلاف التطبيق عن البوصلة المجردة.

كيف أستقبل القبلة في الطائرة؟

في النافلة رخصة صريحة — فقد صلاها النبي ﷺ على راحلته حيثما توجهت (البخاري 1096). وفي الفريضة استقبل القبلة ما استطعت؛ وكثير من خرائط الطيران تعرضها مباشرة. فإن تعذر حقًا فمذهب الجمهور أن تصلي إلى الجهة الممكنة ولا تترك الصلاة. واسأل عالمًا مؤهلًا عن حالك بعينها.


محتوى ذو صلة


المصادر

تنبيه: يعرض هذا المقال أقوال العلماء بيانًا لا فتوى. ولمسألة شخصية فاسأل عالمًا مؤهلًا.

في هذا الموقع

مقالات أخرى