عشرون حديثًا في الصبر: مجموعة موثّقة
آخر تحديث:
الصبر ذُكر في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا، وهو عمود خلق النبي ﷺ. لكن الصبر في الإسلام ليس شدّ الأسنان والاحتمال؛ إنه الثبات مع الثقة بقدر الله، وردّ الشكوى إليه وحده، ومواصلة الحقّ دون انقطاع. تجمع هذه الصفحة عشرين حديثًا من البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجه مع تخريجها.
١. عجبًا لأمر المؤمن
"عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له." التخريج: مسلم، الزهد ٦٤ (٢٩٩٩)
تعليق: الصبر والشكر وجهان لعملة واحدة. وما يميّز المؤمن ليس ما يصيبه بل ما يصنعه بما أصابه.
٢. لا عطاء خير من الصبر
"وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر." التخريج: البخاري، الزكاة ٥٠؛ مسلم، الزكاة ١٢٤ (١٠٥٣)
تعليق: الحديث يجعل الصبر عطاءً من الله، لا شيئًا يصنعه العبد بنفسه؛ يُسأل فيُعطى.
٣. الصبر عند الصدمة الأولى
"إنما الصبر عند الصدمة الأولى." التخريج: البخاري، الجنائز ٣٢ (١٣٠٢)؛ مسلم، الجنائز ١٥
تعليق: التسلّي بعد أشهر ليس صبرًا بل اعتيادًا. والمأجور عليه هو الثبات ساعة وقوع الخبر.
٤. إذا أراد الله بعبد خيرًا ابتلاه
"إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا." التخريج: الترمذي، الزهد ٥٧ (٢٣٩٦) — حسن غريب؛ وبمعناه البخاري، المرضى ١ (٥٦٤٥)
تعليق: ليست المصيبة دليل سخط بالضرورة؛ والحديث يفتح الاحتمال المضادّ. والفيصل ما يقع بعدها لا هي نفسها.
٥. المؤمن القويّ خير
"المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز." التخريج: مسلم، القدر ٣٤ (٢٦٦٤)
تعليق: الصبر ليس سلبيًّا؛ فقوله "ولا تعجز" يقرن الثبات بالسعي.
٦. حتى الشوكة يُشاكها
"ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه." التخريج: البخاري، المرضى ١ (٥٦٤١)؛ مسلم، البرّ ٥٢
تعليق: الحديث يحسب أصغر الأذى. فما من ضيق يمرّ بلا مقابل.
٧. عظم الجزاء مع عظم البلاء
"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط." التخريج: الترمذي، الزهد ٥٧ (٢٣٩٦) — حسن غريب
تعليق: المصيبة الواحدة تُثمر أمرين مختلفين بحسب الموقف منها.
٨. الصوم نصف الصبر
"الصوم نصف الصبر." التخريج: الترمذي، الدعوات ٨٦ (٣٥١٩) — حسن
تعليق: رمضان تدريب سنويّ على الصبر شهرًا كاملًا؛ يعلّم الكفّ حتى عن الحلال.
٩. من يتصبّر يصبّره الله
"ومن يتصبّر يصبّره الله." التخريج: البخاري، الزكاة ٥٠ (١٤٦٩)؛ مسلم، الزكاة ١٢٤
تعليق: الصبر خُلق يُكتسب بالتكلّف لا طبع يولد به المرء — ويُعطى لمن طلبه.
١٠. دعاء المصيبة
عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها." فلما توفي أبو سلمة قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ. التخريج: مسلم، الجنائز ٤ (٩١٨)
تعليق: الصبر ليس صمتًا؛ الحديث يعطيه لسانًا.
١١. حُفّت الجنة بالمكاره
"حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات." التخريج: مسلم، الجنة ١ (٢٨٢٢)؛ البخاري، الرقاق ٢٨
تعليق: المشقّة ليست عائقًا في الطريق، بل هي الطريق.
١٢. من ذهب بصره فصبر
يقول الله تعالى: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوّضته منهما الجنة." التخريج: البخاري، المرضى ٧ (٥٦٥٣)
تعليق: حديث قدسيّ يربط أعظم الجزاء بفقد لا عوض له في الدنيا.
١٣. بيت الحمد
"إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمّوه بيت الحمد." التخريج: الترمذي، الجنائز ٣٦ (١٠٢١) — حسن
تعليق: في أشدّ الفقد يأتي الجزاء على قدر الفقد.
١٤. النصر مع الصبر
"واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا." التخريج: الترمذي، صفة القيامة ٥٩ (٢٥١٦) — حسن صحيح؛ أحمد ١/٣٠٧
تعليق: الحديث يقول "مع" لا "بعد" — على بناء قوله تعالى في الشرح (٩٤: ٥-٦).
١٥. ليتمّنّ هذا الأمر
عن خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة. فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، ما يصدّه ذلك عن دينه. والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون." التخريج: البخاري، المناقب ٢٥ (٣٦١٢)
تعليق: يجعل الحديث الاستعجال ألدّ أعداء الصبر.
١٦. تدمع العين ويحزن القلب
لما احتُضر إبراهيم ابن النبي ﷺ دمعت عيناه، فقيل له في ذلك، فقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون." التخريج: البخاري، الجنائز ٤٣ (١٣٠٣)؛ مسلم، الفضائل ٦٢
تعليق: الصبر لا يحرّم الحزن؛ إنما يضبط ما يُقال.
١٧. ليس منا من ضرب الخدود
"ليس منا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية." التخريج: البخاري، الجنائز ٣٨ (١٢٩٤)؛ مسلم، الإيمان ١٦٥
تعليق: الطرف الآخر لما قبله: الدمع مباح، والتسخّط على القدر ليس كذلك.
١٨. من خالط الناس وصبر على أذاهم
"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم." التخريج: الترمذي، القيامة ٥٥ (٢٥٠٧) — حسن غريب؛ ابن ماجه، الفتن ٢٣
تعليق: الصبر ليس اعتزالًا؛ إنه يقتضي البقاء بين الناس.
١٩. الشديد من يملك نفسه عند الغضب
"ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب." التخريج: البخاري، الأدب ٧٦ (٦١١٤)؛ مسلم، البرّ ١٠٧
تعليق: أشقّ صور الصبر وأكثرها يوميّة: كظم الغيظ.
٢٠. كلمتان ثقيلتان في الميزان
"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم." التخريج: البخاري، الدعوات ٦٥ (٦٤٠٦)؛ مسلم، الذكر ٣١
تعليق: الصبر يُغذّى بالذكر؛ وما يتكرّر على اللسان يستقرّ في القلب.
المعنى الجامع
تُقرأ هذه الروايات العشرون معًا فيظهر للصبر ثلاثة وجوه. الأول الاحتمال: المرض والفقد والأذى، وألّا يمرّ شيء منها بلا أجر. والثاني ملك النفس: الغضب والعجلة وضبط اللسان، وهو أكثر ما تكرّر. والثالث الاستمرار: في العبادة وفي الحقّ وفي البقاء بين الناس.
واللافت أن الصبر لم يُوصف في موضع واحد بالصمت. فقد بكى النبي ﷺ على ولده، وعُلّمت أمّ سلمة دعاءً عند المصيبة، وشكا خبّاب إلى النبي ﷺ مباشرة. فالممنوع ليس الحزن بل التسخّط على القدر.
محتوى ذو صلة
- أدعية الهمّ والقلق
- لا حول ولا قوة إلا بالله: معناها وفضلها
- عشرون حديثًا في الصلاة
- فضل الذكر والتسبيح
أدوات ذات صلة
🕐 مواقيت الصلاة · 🤲 الأدعية · 📿 المسبحة
أسئلة شائعة
ما أصحّ حديث في الصبر؟ "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير" (مسلم ٢٩٩٩) و"ما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر" (البخاري ١٤٦٩؛ مسلم ١٠٥٣) من أكثر ما يُستشهد به من الصحيح.
هل البكاء عند المصيبة ينافي الصبر؟ لا. بكى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا" (البخاري ١٣٠٣). والممنوع النياحة وشقّ الجيوب والتسخّط (البخاري ١٢٩٤).
هل يُكتسب الصبر؟ نعم. "ومن يتصبّر يصبّره الله" (البخاري ١٤٦٩) يجعله خُلقًا يُنال بالتكلّف والطلب لا طبعًا يولد به المرء.