ليلة القدر: علاماتها وكيف تحييها
آخر تحديث:
ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأرجح ما تكون في أوتارها — ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين أو التاسع والعشرين — وقد أُخفي تحديدها قصدًا. وأكثر علاماتها الثابتة يُعرف بعد مضيّها: ليلة ساكنة معتدلة، وشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها. والسبيل إلى إدراكها إحياء العشر بالصلاة والقرآن والدعاء، وفي مقدمته الدعاء الذي علّمه النبي ﷺ عائشة: «اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عني».
وتأتي منزلة هذه الليلة مما قاله القرآن فيها ومما وعد به النبي ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه» (صحيح البخاري ١٩٠١، وصحيح مسلم ٧٦٠). ويعرض هذا الدليل ما ورد في المصادر عن وقتها وعلاماتها وكيف تُحيا، ويميّز الثابت مما هو شائع فحسب.
ما قاله القرآن
سُمّيت سورة كاملة باسم هذه الليلة:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١-٥]
وتصف سورة الدخان الليلة نفسها: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ… فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣-٤]، وتجعلها سورة البقرة في رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ومجموع هذه المواضع الثلاثة يثبت أن نزول القرآن ابتدأ في هذه الليلة، وأنها في رمضان، وأن قدرها يزيد على ألف شهر — أي نحو ثلاث وثمانين سنة.
ولكلمة القدر معنيان يذكرهما المفسرون: التقدير، لأن أمور السنة تُفصَّل فيها [الدخان: ٤]، والشرف والمنزلة، لعِظَم قدرها.
متى تُلتمس
ضيّق النبي ﷺ دائرة الطلب على مراحل؛ فقال: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (صحيح البخاري ٢٠١٧). وروت عائشة أمره بتحرّيها في العشر الأواخر (صحيح مسلم ١١٦٩). ولما رأى بعض الصحابة الليلة في المنام في السبع الأواخر قال: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر» (صحيح مسلم ١١٦٥).
وكان مرةً على وشك أن يخبر أصحابه بتعيينها؛ فقد روى عبادة بن الصامت أنه خرج ليخبرهم فتلاحى رجلان، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرُفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (صحيح البخاري ٢٠٢٣).
وقد ثبتت ليالٍ مختلفة في سنوات مختلفة:
- ليلة الحادي والعشرين. روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ أُري أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فمُطرت ليلة إحدى وعشرين، ووكف سقف المسجد، ورُئي أثر الطين على جبهته في صبيحتها (صحيح مسلم ١١٦٧، وهو في البخاري أيضًا).
- ليلة الثالث والعشرين. روى عبد الله بن أُنيس نحو ذلك في ليلة ثلاث وعشرين (صحيح مسلم ١١٦٨).
- ليلة السابع والعشرين. حلف أُبيّ بن كعب لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، واستدل بعلامة طلوع الشمس لا شعاع لها (صحيح مسلم ٧٦٢).
موقف المذاهب من تعيينها
لمّا دلّت الروايات على ليالٍ مختلفة، رجّح العلماء بينها على وجوه، والأولى أن تُفهم أقوالهم ترجيحاتٍ لا قطعيات:
- الحنابلة: يُنقل عن الإمام أحمد أن أرجى لياليها ليلة سبع وعشرين، اعتمادًا على يمين أُبيّ بن كعب.
- الشافعية: يُنقل عن الإمام الشافعي ميله إلى ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، اعتمادًا على حديثي أبي سعيد وعبد الله بن أُنيس.
- المالكية: يُنقل عن الإمام مالك أنها تنتقل في أوتار العشر الأواخر من سنة إلى سنة.
- الحنفية: يُنقل عن أبي حنيفة أنها في رمضان غير متعيّنة في ليلة بعينها، وإحياء ليلة السابع والعشرين شائع في البلاد التي يغلب فيها المذهب الحنفي.
ورجّح كثير من المتأخرين — ومنهم ابن حجر في شرحه على البخاري — أنها تنتقل في أوتار العشر الأواخر، لأن ذلك يجمع بين الروايات. والنتيجة العملية واحدة في كل المذاهب: من أحيا العشر كلها فقد أدركها يقينًا.
العلامات
أقوى العلامات سندًا تظهر بعد مضيّ الليلة؛ قال أُبيّ بن كعب مُسندًا إلى النبي ﷺ: «أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها» (صحيح مسلم ٧٦٢).
وأما وصف الليلة نفسها — ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة — فقد رواه ابن خزيمة والطيالسي عن ابن عباس، وصححه الألباني. وفي صحيح مسلم حديث لأبي هريرة يذكر أن القمر يطلع فيها «مثل شِقّ جَفنة».
وأما العلامات الأخرى الشائعة — كعدم نباح الكلاب، وسجود الأشجار، وعذوبة ماء البحر، وامتلاء السماء بالنور — فغير ثابتة في الدواوين الصحيحة؛ فبعضها من روايات ضعّفها المحدّثون، وبعضها لا أصل له يُعتمد.
ويترتب على ذلك أمران: أن العلامات ليست شرطًا للأجر، فالوعد في الحديث معلّق بقيام الليلة إيمانًا واحتسابًا، سواء رأى المرء شيئًا أم لم يرَ؛ وأن أوضح العلامات تُرى في الصباح، فتتبّع العلامات أثناء الليل أقل نفعًا من قيامها.
كيف تُحيا ليلة القدر
قيام الليل. قالت عائشة: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر «شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (صحيح البخاري ٢٠٢٤، وصحيح مسلم ١١٧٤)، وقالت: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره (صحيح مسلم ١١٧٥). وليس لهذه الليلة صلاة مخصوصة بعدد معيّن من الركعات، بل يدخل فيها كل قيام تطوعًا، ومنه التراويح. و«من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» (جامع الترمذي ٨٠٦، وقال الترمذي: حسن صحيح).
دعاء العفو. سألت عائشة: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أيّ ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عني» (جامع الترمذي ٣٥١٣، وقال الترمذي: حسن صحيح؛ وسنن ابن ماجه ٣٨٥٠، وصححه الألباني). وفي بعض الطبعات زيادة «كريم» بعد «عفوّ»، وقد نبّه الألباني إلى أنها لا توجد في الأصول المعتمدة.
القرآن. هذه الليلة ذكرى نزول القرآن، فتلاوته بتدبّر وقراءة معانيه أليق بها من أي عمل آخر.
الاعتكاف. اعتكف النبي ﷺ العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده (صحيح البخاري ٢٠٢٦، وصحيح مسلم ١١٧٢). وهو أكمل سبيل لضمان إدراك الليلة.
الذكر والاستغفار والصدقة. هذه عبادات عامة تتضاعف في هذه الليلة، ولم يرد نص صحيح يحدد لها مقدارًا أو صورة معيّنة من الصدقة أو وِردًا مخصوصًا.
لمن وقته ضيق
ليس كل أحد قادرًا على سهر عشر ليال؛ فالعامل، والوالدان لأطفال صغار، والمريض لا يُطالَبون بما لا يطيقون.
وما في مقدور كل أحد تقريبًا: أن يصلي العشاء والفجر في جماعة في كل ليلة من العشر. «من صلّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كله» (صحيح مسلم ٦٥٦). ويضيف إليهما ركعتين قبل النوم، ويكرر الدعاء الذي عُلّمته عائشة. وساعة يُقبل فيها بقلبه في كل ليلة من العشر أقرب إلى إدراك ليلة القدر من سهرة مُنهكة في ليلة واحدة مظنونة.
وتعرض صفحة مواقيت الصلاة وقتي العشاء والفجر لمدينتك، وفي قسم الأدعية نص الدعاء.
أسئلة شائعة
هل ليلة القدر دائمًا ليلة السابع والعشرين؟
لا. لليلة السابع والعشرين سند قوي، ولا سيما يمين أُبيّ بن كعب (صحيح مسلم ٧٦٢)، لكن روايات صحيحة أخرى تشير إلى ليلتي الحادي والعشرين والثالث والعشرين، ويرى كثير من العلماء أنها تنتقل من سنة إلى أخرى. والاقتصار على السابع والعشرين قد يفوّتها.
هل تنتفع الحائض بهذه الليلة؟
نعم. فهي لا تصلي، لكنها تدعو وتذكر الله وتستغفر وتتصدق. واختلفت المذاهب في قراءتها القرآن عن ظهر قلب: فالجمهور على المنع، والمالكية على الجواز.
هل تختلف ليلتها باختلاف البلدان؟
إذا بدأ رمضان في أيام مختلفة في البلدان المختلفة، وقعت العشر الأواخر في تواريخ مختلفة، وكل قوم يلتمسونها في عدّة رمضانهم.
هل يلزم أن أرى علامة حتى تُقبل عبادتي؟
لا. فالأجر معلّق بقيام الليلة إيمانًا واحتسابًا (صحيح البخاري ١٩٠١)، وكثير ممن يقومون ليلة القدر لا يلاحظون شيئًا غير معتاد.
ماذا أسأل في تلك الليلة؟
اختار النبي ﷺ سؤال العفو ليعلّمه عائشة. وللمرء بعد ذلك أن يسأل كل خير من الدنيا والآخرة، وبأي لغة شاء.
المراجع
- القرآن الكريم: البقرة ١٨٥؛ الدخان ٣-٤؛ القدر ١-٥
- صحيح البخاري: ١٩٠١، ٢٠١٧، ٢٠٢٣، ٢٠٢٤، ٢٠٢٦
- صحيح مسلم: ٦٥٦، ٧٦٠، ٧٦٢، ١١٦٥، ١١٦٧، ١١٦٨، ١١٦٩، ١١٧٢، ١١٧٤، ١١٧٥
- جامع الترمذي ٨٠٦، ٣٥١٣؛ سنن ابن ماجه ٣٨٥٠
- ابن خزيمة والطيالسي في صفة الليلة؛ صحيح مسلم في صفة القمر