مقالات وأدلة إسلامية
عبادة

صلاة الاستخارة: دليل خطوة بخطوة

آخر تحديث:

صلاة الاستخارة ركعتان من غير الفريضة يتبعهما دعاء مخصوص، يسأل فيهما المسلمُ الذي عرض له أمر مباح أن يقدّره الله له إن كان خيرًا، وأن يصرفه عنه إن لم يكن كذلك. فيصلي ركعتين، ثم يدعو بالدعاء الذي علّمه النبي ﷺ، ويسمّي حاجته في موضع قوله "هذا الأمر" (البخاري ١١٦٢). ولا يُشترط فيها رؤيا ولا علامة: بل يمضي بعد الصلاة فيما يراه أصلح، ويرضى بما يجري به القدر.

أصل صلاة الاستخارة

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلّمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل..." ثم ذكر الدعاء. أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع (البخاري ١١٦٢، ٦٣٨٢، ٧٣٩٠)، وهو كذلك عند أبي داود (أبو داود ١٥٣٨) وغيره.

وفي هذا الحديث ثلاث عبارات تحدّد صورة العمل:

  • "في الأمور كلها". لفظ جابر عام؛ فليست الاستخارة مقصورة على الزواج ونحوه من الأمور الكبرى، بل تعلّمها الصحابة للشؤون اليومية أيضًا.
  • "كما يعلّمنا السورة من القرآن". يدل التشبيه على العناية بلفظ الدعاء؛ فهو نصّ يُحفظ، لا كلام يُرتجل.
  • "من غير الفريضة". الركعتان نافلة، ولا تقوم الفريضة مقام صلاة الاستخارة.

والاستخارة من مادة خ ي ر، ومعناها طلب خير الأمرين. وهي تسير جنبًا إلى جنب مع عمل أمر به القرآن صراحة، وهو المشاورة: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران ٣: ١٥٩).

كيف تُصلّى الاستخارة خطوة بخطوة

الخطوة الأولى — تحقّق أن الأمر مما يُستخار فيه. الاستخارة تكون في الاختيار بين أمور مباحة، أو في كيفية فعل الخير ووقته. ولا يُستخار في أداء واجب كالصلوات الخمس، ولا في فعل محرّم.

الخطوة الثانية — اجمع المعلومات واستشر. تعرّف على الوقائع، وقلّب الخيارات، واستشر أهل العلم والأمانة في الأمر. وهذه هي المشاورة التي ذكرها القرآن في آل عمران ٣: ١٥٩.

الخطوة الثالثة — توضأ. الاستخارة صلاة، فيُشترط لها من الطهارة ما يُشترط لغيرها.

الخطوة الرابعة — صلِّ ركعتين نافلة. انوِ صلاة الاستخارة وصلِّ ركعتين كسائر النوافل، واقرأ في كل ركعة الفاتحة وما تيسّر بعدها؛ فلم يعيّن الحديث سورة. واستحب النووي في كتابه الأذكار أن يقرأ في الأولى سورة الكافرون (السورة ١٠٩) وفي الثانية سورة الإخلاص (السورة ١١٢)، وهذا استحباب لا شرط.

الخطوة الخامسة — ادعُ بعد السلام. احمد الله وصلِّ على النبي ﷺ، ثم ادعُ بدعاء الاستخارة الآتي. ولأن الحديث قال: "ثم ليقل"، جعل أكثر العلماء الدعاء بعد السلام، وقال بعضهم، ومنهم ابن تيمية، إنه يجوز كذلك قبل السلام في الجلسة الأخيرة.

الخطوة السادسة — سمِّ حاجتك. في موضع قوله "هذا الأمر" اذكر الأمر بعينه: عرض العمل، أو الخطبة، أو الانتقال إلى مدينة أخرى. ولك أن تنطق به مكان اللفظ أو تستحضره في قلبك. وتنتهي رواية البخاري ١١٦٢ بقوله: "ويسمّي حاجته".

الخطوة السابعة — اعزم وامضِ. امضِ بعد الصلاة فيما يبدو لك أصلح؛ فإن تيسّر الطريق فواصل، وإن انغلق لأسباب خارجة عن يدك فاعدد ذلك جزءًا من الجواب.

دعاء الاستخارة

النص الآتي على لفظ البخاري ١١٦٢، وبين الروايات اختلاف يسير في الألفاظ؛ وفي موضعين منه شكّ الراوي: هل قال ﷺ: "في ديني ومعاشي وعاقبة أمري"، أو قال: "في عاجل أمري وآجله"، فيجوز الدعاء بأيّ اللفظين.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ.

وللدعاء ثلاثة أجزاء: الأول إقرار بأن القدرة والعلم لله وحده. والثاني سؤال أحد أمرين دون افتراض أيهما يكون. والثالث — "واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به" — تسليم مسبق بأن الخير قد لا يكون في الأمر الذي يرجوه الداعي.

متى تُصلّى

تُصلّى الاستخارة في أي ساعة من ليل أو نهار، إلا في الأوقات التي يُكره فيها التطوع. فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في ثلاث ساعات: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيّف الشمس للغروب حتى تغرب (مسلم ٨٣١). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب (البخاري ٥٨٦).

وتتفق المذاهب على أن الاستخارة لا تُصلّى في هذه الأوقات إذا أمكن تأخير الأمر. واختلفوا في ذوات الأسباب؛ فالشافعية يجيزون بعضها في أوقات الكراهة، لكنهم يستثنون الاستخارة في الغالب، لأن سببها — وهو القرار — متأخر لا متقدم. فإن كان الأمر لا يحتمل التأخير، فقد قال جماعة من العلماء إنه يدعو بالدعاء وحده دون صلاة.

ويختار كثيرون الثلث الأخير من الليل لفضله العام وقتًا لإجابة الدعاء (البخاري ١١٤٥)، لكن لم يرد حديث يخصّ الاستخارة بالليل، فهي في النهار صحيحة كذلك.

ماذا يُنتظر بعد الصلاة

أشيع الأخطاء الظنّ بأن الاستخارة تأتي برؤيا، ولم يرد ذلك في رواية صحيحة. فالدعاء يسأل الله أن يقدّر وييسّر ويصرف، لا أن يرسل علامة.

والخطأ الثاني الظنّ بأنه لا بد أن يعقبها يقين قوي في القلب. وقد كتب النووي في الأذكار أن المستخير يمضي بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره. ونبّه ابن حجر في فتح الباري، وهو يبحث المسألة نفسها، إلى أنه لا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة. وقال علماء آخرون إنه يمضي فيما يراه أصلح، متوكلًا على الله أن يصرفه عنه إن كان شرًّا. وعلى كل الأقوال، فالجواب فيما يعقب القرار، لا في علامة تسبقه.

وتشيع رواية بتكرار الاستخارة سبع مرات ثم المضيّ لما يسبق إلى القلب، وقد أخرجها ابن السني، ووصف ابن حجر إسنادها في فتح الباري بأنه واهٍ جدًّا، فلا تُتّخذ قاعدة. ومع ذلك يجوز تكرار الاستخارة ما دام الأمر لم يُحسم، لأنها دعاء، وقد استحب ذلك كثير من العلماء.

ويصدق هنا قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة ٢: ٢١٦).

أخطاء شائعة

  • انتظار الرؤيا، أو جعل الاستخارة بديلًا عن التفكير. لم يذكر الحديث رؤيا، والقرآن أمر بالمشاورة. فالاستخارة تكون مع البحث والاستشارة لا بدلًا منهما.
  • جعلها ختمًا للموافقة. الاستخارة في أمر قد حُسم سلفًا، مع عدم الاستعداد لقبول باب يُغلق، تُفرغ آخر الدعاء من معناه.
  • تكليف غيرك بها مقابل أجر. علّم النبي ﷺ هذا الدعاء كل صحابي ليدعو به لنفسه. ودفع المال لمن "يستخير" عنك ثم يخبرك بالنتيجة لا أصل له في الحديث.
  • عدّ النتيجة غير المرغوبة دعاءً لم يُستجب. إن لم يتمّ الأمر فقد يكون ذلك عين ما سُئل: "فاصرفه عني واصرفني عنه".

أسئلة شائعة

هل يجوز تكرار الاستخارة في الأمر الواحد؟

نعم. الاستخارة دعاء، ولا حدّ لسؤال الله. وقد استحب كثير من العلماء تكرارها ما دام الأمر لم يُحسم. أما رواية التكرار سبع مرات فواهية جدًّا، فلا يلزم عدد معيّن.

هل يجوز الدعاء بالاستخارة بعد سنة راتبة بدل ركعتين مستقلتين؟

اختلف العلماء في ذلك؛ فرأى النووي في الأذكار أن الدعاء بعد السنة الراتبة أو غيرها من النوافل يكفي، واشترط آخرون ركعتين بنية الاستخارة، لأن الحديث وصف صلاة مخصوصة. وصلاة ركعتين مستقلتين خروج من الخلاف.

هل تستخير الحائض؟

لا تصلي الركعتين وهي حائض، لكنها تدعو بدعاء الاستخارة، لأن الدعاء لا يمنعه الحيض. وقد قال بعض العلماء إن من عجز عن الصلاة دعا بالدعاء وحده، ولها أن تؤخر الاستخارة كاملة إن كان الأمر يحتمل التأخير.

هل يجب أن أدعو بالعربية ومن الحفظ؟

الأفضل حفظ اللفظ النبوي، فقد تعلّمه الصحابة كما يتعلمون السورة. وإلى أن تحفظه لا حرج في قراءته من ورقة أو شاشة بعد الصلاة. وسؤال الله الخيرة بلغتك دعاء أيضًا، لكن اللفظ النبوي جدير بأن يُتعلّم.

هل يستخير أحد عن غيره؟

الحديث يخاطب صاحب الأمر، والدعاء بصيغة المتكلم. وقد أجاز بعض المتأخرين الاستخارة عن الغير، ولا سيما استخارة الوالد لولده، ورأى آخرون أنها لصاحب الشأن. والأولى أن يستخير صاحب القرار بنفسه، ويعينه غيره بالدعاء المطلق.

كم أنتظر الجواب؟

ليس في الحديث مدة انتظار. فإذا استشرت وصليت فامضِ فيما يبدو أصلح؛ والجواب في تيسّر الأمر أو انصرافه عنك.

في هذا الموقع

مقالات أخرى