فضائل ومنافع آية الكرسي
آخر تحديث:

آية الكرسي هي الآية الخامسة والخمسون بعد المئتين من سورة البقرة (البقرة ٢: ٢٥٥)، وقد أقرّ النبي ﷺ بأنها أعظم آية في القرآن (مسلم ٨١٠). ورُوي في فضلها بإسناد ثابت أمران آخران: أن من قرأها إذا أوى إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ حتى يصبح (البخاري ٢٣١١)، وأن من قرأها دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت (النسائي في السنن الكبرى، وصحّحه الألباني). وأكثر ما يُتداول عنها سوى ذلك ضعيف أو لا أصل له، وهذه الصفحة تميّز بين الأمرين.
نص الآية ونطقها ومعناها
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
(البقرة ٢: ٢٥٥)
ماذا تقول الآية جملةً جملة
الآية من أولها إلى آخرها تفعل أمرًا واحدًا: تصف الله تعالى، وكل جملة فيها تنفي عنه نقصًا مما يلحق المخلوقين.
- ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾. تبدأ بشهادة التوحيد، وهي الشهادة التي يبدأ بها الإسلام نفسه.
- ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. حياته لا ابتداء لها ولا انتهاء ولا افتقار فيها. والقيوم: القائم بنفسه، المقيم لغيره، فكل ما سواه قائم به.
- ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. ذكرت الآية أولًا الحال الأخف — السِّنة، وهي النعاس الذي يسبق النوم — ثم النوم نفسه. فلا يعتريه شيء منهما، ولا تنقطع رعايته للخلق لحظة.
- ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ملك تام، لا يخرج شيء عن سلطانه.
- ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. الشفاعة ثابتة، لكنها لا تكون إلا بإذنه، فليس لأحد عليه سلطان من ذات نفسه.
- ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. علمه محيط بماضي كل مخلوق ومستقبله، وهم لا يدركون إلا ما شاء أن يُعلمهم.
- ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. اختلف المفسرون في معنى الكرسي؛ فرُوي عن ابن عباس أنه موضع القدمين، وعليه كثير من علماء العقيدة، فهو عندهم مخلوق أوسع من السماوات والأرض. ورُوي عن ابن عباس أيضًا أن كرسيه علمه، واختار الطبري هذا القول في تفسيره. والقولان متفقان على مقصود الجملة: أن عظمته فوق مقاييس البشر.
- ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. حفظ الخلق كله لا يثقل عليه ولا يكلّفه شيئًا.
- ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. تُختم الآية باسمين من أسمائه: العليّ والعظيم.
والآية لا تسأل شيئًا؛ إنما تُعرّف بمن يُسأل. ولهذا كانت في قلب كثير من الأذكار اليومية.
ما ثبت فيها
أعظم آية في القرآن
عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟" قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فضرب في صدره وقال: "والله ليهنك العلم أبا المنذر" (مسلم ٨١٠).
وهذا أصل منزلة الآية؛ فالنبي ﷺ لم يكتفِ بمدحها، بل سأل عنها صحابيًّا وأقرّه على جوابه.
الحفظ طوال الليل
وكّل رسول الله ﷺ أبا هريرة رضي الله عنه بحفظ زكاة رمضان، فجاءه آتٍ ثلاث ليال يحثو من الطعام، وفي كل مرة يأخذه ثم يخلّي سبيله لما شكا الحاجة. فلما كانت الثالثة قال له: دعني أعلّمك كلمات ينفعك الله بها: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فلما أخبر النبيَّ ﷺ قال: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب"، وأخبره أنه شيطان (البخاري ٢٣١١).
وقد أورد البخاري هذا الحديث بصيغة "وقال عثمان بن الهيثم"، دون التصريح بسماعه منه. وذكر أهل الحديث، ومنهم ابن حجر، أنه موصول في مصادر أخرى، والحديث مقبول صحيح. وأورده البخاري أيضًا في بابين آخرين.
دبر كل صلاة مكتوبة
عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت". أخرجه النسائي في السنن الكبرى (لا في السنن الصغرى التي يُعزى إليها بالأرقام عادة)، والطبراني. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، لكن ردّ النقاد بعده حكمه، وصحّحه الألباني.
والمعنى كما بيّنه الشرّاح ليس أن القراءة تغني عن فرائض الإسلام، بل أن من حافظ على هذا العمل لم يبقَ بينه وبين ثوابه إلا لحظة الموت.
ما ضعف أو لا أصل له
لكثرة قراءة آية الكرسي أُلحق بها كثير مما لا يبلغ الدرجة نفسها من الثبوت.
- "سيدة آي القرآن". روى الترمذي عن أبي هريرة حديثًا يصف آية الكرسي بأنها سيدة آي القرآن. وقال الترمذي نفسه إنه غريب، وأشار إلى الكلام في أحد رواته، حكيم بن جبير، وضعّفه الألباني. ومعناه قريب مما ثبت في مسلم ٨١٠، لكن هذا اللفظ لا يصح.
- حفظ البيت. يُقال كثيرًا إن قراءة آية الكرسي تطرد الشياطين من البيت. والحديث الصحيح في البيت إنما هو في سورة البقرة كلها: قال النبي ﷺ إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة (مسلم ٧٨٠). وآية الكرسي من هذه السورة، والحفظ الليلي في البخاري ٢٣١١ ثابت، لكن لم يثبت لهذه الآية وحدها ضمان مستقل للبيت.
- الأعداد المخصوصة. ما يُتداول من قراءتها عددًا معينًا — ٣١٣ أو ألف مرة أو غير ذلك — لجلب الرزق أو الزواج أو غيرهما لا أصل له في كتب الحديث، ولا يصح أن يُقدَّم على أنه سنّة.
- صلتها باسم الله الأعظم. رُوي عن أبي أمامة أن اسم الله الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه. أخرجه ابن ماجه وحسّنه الألباني. وربطه كثير من العلماء بـ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الواردة في آية الكرسي، وفي أول آل عمران، وفي طه (٢٠: ١١١). وهذا الربط استنباط من العلماء، لا لفظ الحديث.
متى تُقرأ
- دبر كل صلاة من الصلوات الخمس، لحديث أبي أمامة المتقدم.
- عند النوم، لحديث البخاري ٢٣١١. ويجمع كثيرون معها ما ثبت أيضًا عند النوم: النفث في الكفين بعد قراءة الإخلاص والفلق والناس ومسح الجسد بهما (البخاري ٥٠١٧)، وقراءة الآيتين من آخر سورة البقرة اللتين قال فيهما النبي ﷺ: من قرأ بهما في ليلة كفتاه (البخاري ٥٠٠٩).
- في أذكار الصباح والمساء، وهي مذكورة في أكثر كتب الأذكار المجموعة.
- في الرقية على المريض والمصاب. ولم يرد حديث ينصّ على آية الكرسي في الرقية باسمها، لكن العلماء يدخلونها فيها لما ثبت من الحفظ في البخاري ٢٣١١، مع الفاتحة التي أقرّ النبي ﷺ الرقية بها (البخاري ٢٢٧٦)، والسور الثلاث الأخيرة.
ولكل قراءة كذلك أجر تلاوة القرآن العام؛ فقد قال النبي ﷺ إن من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها (الترمذي ٢٩١٠، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصحّحه الألباني).
ماذا تأخذ منها
تعمل الآية في قارئها قبل أن تعمل في أي شيء آخر. فالقلق من عاقبة أمر يقرأ أن لا شيء يخرج عن علمه. والخائف من صاحب سلطان عليه يقرأ أن الملك كله لله، وأن لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه. ومن يشعر أنه متروك يقرأ أنه سبحانه لا ينام.
هي آية واحدة، تُحفظ في أيام قليلة، ولمن حافظ على الصلوات الخمس خمس فرص يومية على الأقل لقراءتها. وتعلّم معناها مع لفظها هو ما يحوّل التلاوة إلى تدبّر.
أسئلة شائعة
في أي سورة آية الكرسي، وما رقمها؟
هي الآية ٢٥٥ من سورة البقرة، السورة الثانية في المصحف. وهي آية واحدة لا سورة، وسُمّيت بكلمة "الكرسي" الواردة فيها. وقد تُقرأ معها الآيتان بعدها (٢: ٢٥٦–٢٥٧)، لكن اسم آية الكرسي لا يطلق إلا على ٢: ٢٥٥.
هل حديث قراءتها دبر كل صلاة صحيح؟
أخرجه النسائي في السنن الكبرى، والطبراني، عن أبي أمامة. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، لكن ردّ النقاد بعده هذا الحكم، وصحّحه الألباني. وعليه العمل عند كثيرين.
هل تُقرأ آية الكرسي في الحيض أو الجنابة؟
اختلفت المذاهب؛ فالحنفية والشافعية والحنابلة على أن الجنب والحائض لا يقرآن القرآن، وأجاز المالكية للحائض القراءة. وأجاز بعض العلماء في المذاهب الأخرى قراءة الآيات بنية الذكر أو التحصّن لا بنية التلاوة. ومن لم يتبيّن له الأمر فليأخذ بمذهبه أو يسأل عالمًا يثق به.
كم مرة تُقرأ آية الكرسي؟
ذكرت الروايات الصحيحة قراءتها مرة دبر كل صلاة مكتوبة، ومرة عند النوم. ولم يحدّد حديث صحيح عددًا أكبر لأي غرض، والأعداد المربوطة بنتائج مخصوصة لا أصل لها.
هل تُقرأ بغير وضوء؟
قراءة القرآن عن ظهر قلب بغير وضوء جائزة عند المذاهب الأربعة. ومسألة الوضوء إنما تتعلق بمسّ المصحف، لا بالقراءة من الحفظ.
هل قراءة آية الكرسي تحفظ البيت؟
الثابت أن من قرأها عند النوم لم يزل عليه من الله حافظ حتى يصبح (البخاري ٢٣١١)، وأن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة (مسلم ٧٨٠). وآية الكرسي من هذه السورة، لكن لم يثبت في حديث صحيح وعد مستقل للبيت بهذه الآية وحدها.