مقالات وأدلة إسلامية
عبادة

الغُسل في الإسلام: فرائضه وصفته وأسئلة شائعة

آخر تحديث:

الغُسل من أهم عبادات الطهارة في الإسلام، وأكثرها التباسًا في التطبيق. يغتسل المسلمون بعد الحدث الأكبر، وقبل صلاة الجمعة، وفي مناسبات أخرى؛ ومع ذلك تبقى أسئلة عملية كثيرة: كم يكفي من الماء؟ وماذا لو نُسيت خطوة؟ وهل تجزئ السباحة؟ يجيب هذا المقال عن أكثر ما يُسأل عنه في الغسل، مستندًا إلى القرآن والسنة ومذاهب الفقه الأربعة: الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي.

تنبيه: هذا المقال للتثقيف العام. والأحكام قد تختلف باختلاف الحال والظرف الصحي والمذهب. وللمسائل الخاصة يُرجَع إلى عالم مؤهَّل أو إمام.

ما الغُسل ومتى يجب؟

الغُسل هو تعميم البدن بالماء بنيّة رفع الحدث الأكبر المسمّى الجنابة. ويفارق الوضوء، وهو الطهارة "الصغرى" لأحداث أصغر كقضاء الحاجة والريح. فالوضوء غسل أعضاء مخصوصة — اليدان والوجه والذراعان والرجلان — أما الغسل فيشترط وصول الماء إلى كل جزء من البشرة والشعر.

ووجوب الطهارة قبل الصلاة ثابت في القرآن. قال تعالى في المائدة:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا" (المائدة ٥: ٦)

تجعل الآية الوضوء والغسل شرطًا للصلاة بحسب حال الطهارة. ويجب الغسل في المواضع الآتية:

  • بعد الجماع — على الزوجين، أنزل أو لم يُنزل.
  • بعد خروج المنيّ بشهوة — يقظةً أو منامًا (الاحتلام).
  • بعد انقطاع الحيض — فتغتسل المرأة قبل عودتها إلى الصلاة.
  • بعد انقطاع النفاس — كذلك.
  • عند الموت — فيُغسَّل بدن الميت المسلم قبل دفنه.
  • عند الدخول في الإسلام — استحبّه كثير من العلماء لمن أسلم، ولم يتفقوا على وجوبه المضيَّق.

وقد روى مسلم في كتاب الحيض أمر النبي ﷺ النساء بالاغتسال عند انقطاع الحيض قبل العودة إلى الصلاة؛ فالغسل باب العودة إلى حال الطهارة.

فرائض الغُسل

اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على مقصود الغسل — وجوب وصول الماء إلى كل البدن — واختلفوا في تعداد الفرائض. ومعرفة هذا الاختلاف نافعة، فقد يصحّ الغسل في مذهب ويحتاج في آخر خطوة زائدة تُعدّ فيه سنّة فقط.

المذهب الحنفي — ثلاث فرائض

  1. المضمضة
  2. الاستنشاق
  3. غسل سائر البدن بحيث لا يبقى موضع جافّ

والنيّة عند الحنفية سنّة لا فرض — أي يجزئ الغسل بلا نيّة واعية (كانغماس اتفاقيّ) في رفع الحدث، وإن كانت النيّة مستحبّة استحبابًا مؤكَّدًا.

المذهب الشافعي — فرضان

  1. النيّة لرفع الحدث الأكبر
  2. تعميم البدن بالماء حتى يصل إلى البشرة والشعر

واللافت أن المضمضة والاستنشاق ليستا فرضًا في الغسل عند الشافعية، وإن كانتا فرضًا في الوضوء عند بعضهم.

المذهب المالكي — خمس فرائض

  1. النيّة
  2. تعميم البدن
  3. الدَّلْك باليد أو بخرقة مع صبّ الماء
  4. الموالاة — أي المتابعة بلا فصل طويل
  5. تخليل الشعر ليصل الماء إلى أصوله

والمضمضة والاستنشاق عندهم سنّة لا فرض.

المذهب الحنبلي — فرض واحد جامع

يجعل الحنابلة غسل البدن كله — ومنه المضمضة والاستنشاق — فرضًا واحدًا جامعًا؛ لأن الفم والأنف من الظاهر الذي يلزم وصول الماء إليه.

ومع هذه الفروق تتفق المذاهب الأربعة على الأصل: لا يصحّ الغسل حتى يصل الماء إلى كل البدن والشعر، وحتى تكون نيّة التطهّر من الجنابة حاضرة في القلب في وقت من أوقات الاغتسال.

صفة الغسل على السنة

فوق القدر المجزئ، بيّن النبي ﷺ صفة أتمّ للغسل، فصّلتها عائشة رضي الله عنها في كتاب الغسل من صحيح البخاري:

  1. النيّة بالقلب لرفع الجنابة.
  2. التسمية قبل الشروع، والأولى خارج الخلاء إن كان فيه مرحاض.
  3. غسل الكفّين إلى الرسغين ثلاثًا.
  4. غسل الفرج وإزالة ما به من أذى.
  5. الوضوء كاملًا كوضوء الصلاة — وذكر كثير من العلماء جواز تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل لمن اغتسل قائمًا في ماء.
  6. تخليل الشعر بالأصابع حتى يصل الماء إلى الأصول والبشرة.
  7. إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا.
  8. إفاضة الماء على الشقّ الأيمن ثم الأيسر.
  9. غسل سائر البدن مع تعاهد ما خلف الأذنين وتحت الإبطين وبين الأصابع والسُّرّة.
  10. غسل الرجلين آخرًا إن أُخّرتا.

قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرَف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله." (البخاري، كتاب الغسل) وعلى هذا الوصف تقوم الصفة المسنونة التي يعمل بها أكثر المسلمين اليوم.

ويجدر التذكير: عند جمهور العلماء يُبطل الغسلَ بقاء لمعة يسيرة من البشرة لم يصبها الماء؛ فالتأنّي والاستيعاب أولى من السرعة.

ولمراجعة الطهارة الصغرى انظر صفة الوضوء خطوة بخطوة.

أسئلة شائعة عن الغسل

١. هل يجوز تأخير الغسل؟ وهل له وقت؟

ليس للغسل وقت محدود بعدّ، لكنه يجب أن يتمّ قبل أي عبادة تشترط الطهارة — وأهمّها قبل خروج وقت الصلاة التالية. وتأخيره بلا عذر يعرّض المرء لفوات الصلاة على طهارة، وقد كرهه العلماء. والأولى المبادرة إليه بعد وجوبه بأقرب ما يتيسّر.

٢. هل أصوم قبل أن أغتسل؟

نعم. باتفاق المذاهب الأربعة يصحّ صوم من أصبح جنبًا (كمن احتلم أو جامع قبل الفجر) ما دام يغتسل بعد ذلك لصلاة الفجر. فالصوم صحيح، وإنما يتعلّق الأمر بالصلاة حتى يغتسل. وفي الصحيحين ما يدلّ على أن النبي ﷺ كان يُصبح جنبًا ثم يغتسل ويصوم.

٣. هل يجزئ الغسل عن الوضوء؟

نعم. اتفقت المذاهب على أن الغسل الصحيح يجزئ عن الوضوء للصلاة بعده؛ لأن الطهارة الكبرى تتضمّن الصغرى. ولهذا كان الوضوء داخلًا في صفة الغسل المسنونة. فلا يلزمك وضوء مستقلّ بعد غسل تامّ. وانظر صفة الوضوء.

٤. كم يكفي من الماء؟

لم يحدّد الشرع مقدارًا؛ فالمطلوب وصول الماء إلى كل البدن لا كمية بعينها. وقد ورد أن النبي ﷺ كان يغتسل بنحو ثلاثة أمداد، ويقدّرها الباحثون بنحو ٣ إلى ٣٫٧٥ لترًا — فالطهارة التامة لا تحتاج ماءً كثيرًا. والاقتصاد مطلوب، والإسراف مذموم.

٥. هل غسل الجمعة واجب؟

ذهب جمهور المذاهب إلى أنه سنّة مؤكَّدة لا فرض. روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة على كل مسلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا إن وجد." (أحمد والبخاري ومسلم) وذهب بعض السلف إلى التشديد أخذًا بظاهر بعض الألفاظ، والقول السائد أنه مستحبّ مؤكَّد، لا سيما لمن يحضر الجماعة في حرّ أو زحام.

٦. كيف يكون غسل المرأة من الحيض والنفاس؟

يجب الغسل بانقطاع دم الحيض أو النفاس انقطاعًا تامًّا. وقبل الاغتسال تصوم إن لزم، ولا تصلي ولا تفعل ما يشترط له الطهارة — كمسّ المصحف عند بعضهم — حتى تغتسل. وقد روى مسلم في كتاب الحيض توجيه النبي ﷺ للنساء في وقت هذا الغسل وصفته، ومنه تعاهد موضع الدم. واستحبّ بعض العلماء استعمال فرصة مُمسَّكة لإزالة الأثر، وهو استحباب لا وجوب.

٧. هل يجزئ الغسل في الأماكن العامة أو المسابح؟

نعم، يجزئ في دُشّ عامّ أو مسبح أو أي ماء ما دام الماء طهورًا وأمكن استيعاب البدن مع النيّة. غير أن العلماء ينبّهون على مراعاة الستر ما أمكن؛ وينبّهون كذلك إلى أن الانغماس التامّ بالنيّة يجزئ — وانظر مسألة السباحة أدناه.

٨. هل يجوز الكلام أثناء الغسل؟

نعم، والكلام لا يبطل الغسل. فهو — بخلاف الصلاة — فعل طهارة بدنيّ، والحديث العادي أو ردّ الجواب لا يؤثر في صحّته. ومع ذلك يفضّل كثيرون تقليل الكلام تحرّيًا للخشوع في عمل متصل بالعبادة.

٩. هل أستعمل الصابون والشامبو؟

نعم. استعمال الصابون والشامبو مع الماء جائز ولا يبطل الغسل، ما دام الماء نفسه يصل إلى كل البدن في وقت من أوقات الاغتسال. بل يحثّ كثير من العلماء على الجمع بين طهارة الشرع ونظافة البدن لعناية الإسلام بالنظافة. والشرط بقاء تعميم الماء؛ فالصابون معين لا بديل.

١٠. الجنابة ليلًا: أغتسل قبل الفجر أم بعده؟

من أصابته جنابة في الليل (كالاحتلام) فله تأخير الغسل إلى قرب الفجر أو تعجيله؛ وكلاهما صحيح. والمهمّ أن يتمّ الغسل قبل دخول وقت صلاة الفجر لتُؤدّى على طهارة. وكما تقدّم، يصحّ الصوم قبل الغسل؛ فالتأخير يتعلّق بالصلاة لا بالصيام.

١١. لماذا اختلفت المذاهب في فرضيّة النيّة؟

مردّ الخلاف إلى تفسير طبيعة "التطهّر" الواردة في القرآن والسنة لغةً وحكمًا. فالشافعية والمالكية يرون العبادة مفتقرة إلى قصد يميّزها عن الفعل المعتاد (كالاغتسال للنظافة)، فالنيّة فرض. والحنفية يرون الغسل شرطًا بدنيًّا يُستوفى — ارتفاع الحدث بوصول الماء — سواء قصد أم لا، فالنيّة سنّة مؤكَّدة. وهذا اختلاف اجتهاد معتبر لا تخطئة لأحد الطرفين.

١٢. هل أصلي مباشرة بعد الغسل؟

نعم. متى تمّ الغسل على وجهه — بوصول الماء إلى كل البدن واستيفاء فرائض المذهب — فالمرء على طهارة ويصلي في الحال، بلا انتظار ولا وضوء مستقلّ.

١٣. ماذا لو نسيت المضمضة أو الاستنشاق؟

الجواب بحسب المذهب. فعند الحنفية هما فرض، فمن نسيهما فغسله ناقص، ويتمضمض ويستنشق متى ذكر (ولا يلزمه إعادة الغسل كله، بل إتمام المتروك). وعند الشافعية والمالكية هما سنّة، فلا يبطل الغسل بتركهما، ويُستحبّ فعلهما للكمال والنظافة. وعند الحنابلة داخلان في الفرض الجامع فيُستوفيان.

١٤. كيف يغتسل صاحب الجبيرة أو الجرح؟

إذا منع جرح أو جبيرة أو غرزة أو ضماد وصولَ الماء إلى موضع من البدن، وكان نزعه يضرّ أو يؤلم أو يؤخّر الشفاء، ففي الشرع سعة. فيمسح على الحائل بيد مبلولة بدل صبّ الماء؛ وإن اتّسع الجرح حتى عمّ أكثر البدن جمع بين المسح والتيمّم للمواضع المصابة عند كثير من العلماء. ويُغسل سائر البدن السليم بالماء على المعتاد. والمسألة شديدة التعلّق بحال كل شخص، فيُستشار عالم مطّلع في الإصابة أو الحالة الطبية بعينها.

١٥. هل تجزئ السباحة عن الغسل؟

ذهب كثير من العلماء إلى أن الانغماس التامّ في مسبح أو بحر أو نهر — بحيث يصل الماء إلى كل البدن ومنه الشعر والبشرة، كأن يُدخل رأسه في الماء — يجزئ في تحقيق الشرط البدنيّ للغسل، مع نيّة التطهّر من الجنابة (في المذاهب التي تفرض النيّة) أو حضورها في القلب عمومًا. لكن يجب التحرّي في وصول الماء إلى داخل الأذنين وبين الأصابع وأصول الشعر، وهي مواضع تُغفل في السباحة العارضة. ولذلك يوصي كثير من العلماء بغسل مقصود على الصفة المعروفة بدل الاكتفاء بالسباحة، خاصة عند أدنى شكّ في الاستيعاب.

جدول الفروق بين المذاهب

المسألةالحنفيالشافعيالمالكيالحنبلي
عدد الفرائض٣٢٥١ جامع
النيّةسنّةفرضفرضغير مفردة بالذكر
المضمضة والاستنشاقفرضليستا فرضًا في الغسلسنّةداخلتان في الفرض
الدَّلْكسنّةسنّةفرضسنّة
الموالاةلا تجبلا تجبفرضلا تجب
تخليل الشعرسنّةسنّةفرضسنّة

وهذه الفروق اجتهادات معتبرة بناها أئمة المذاهب وفقهاؤهم على فهمهم للكتاب والسنة. ولا يفضّل جمهور أهل السنة مذهبًا على آخر في الصحّة؛ ويتّبع المسلمون عادةً المذهب السائد في بلدهم أو ما يوصي به علماؤهم.

محتوى ذو صلة

خاتمة

الغسل ليس فعلًا بدنيًّا فحسب؛ إنه عودة بالمؤمن إلى حال الطهارة قبل أن يقوم بين يدي ربّه. وإن اختلفت المذاهب في تفاصيل فنّية، فهي مجمعة على المقصد: تعميم البدن بالماء بنيّة صادقة في التطهّر. ولأن الظروف — من مرض أو إصابة أو سفر أو حال أسريّة — تؤثر في تنزيل هذه الأحكام، فلا تتردّد في سؤال عالم مؤهَّل أو إمام. وهذا المقال ليس فتوى، وإنما هو للتثقيف العام.

المصادر

  • القرآن، المائدة ٥: ٦
  • صحيح البخاري، كتاب الغسل — sahih-bukhari.com
  • صحيح مسلم، كتاب الحيض
  • سنن أبي داود، كتاب الطهارة
  • فقه السنة، حديث غسل الجمعة — alim.org

في هذا الموقع

مقالات أخرى